يعد الطب من اشدّ العلوم التصاقا بحاجات الشعوب، لأنه على صلة " بغريزة البقاء " لديها، لذا كان اهتمامها بالمعارف الطبية ملازما لتطورها الحضاري. وكان تقدم الطب في الحضارة لإسلامية دليلا على تطورها وتقدمها الحضاري في العصور الوسطى.
أدراك العلماء المسلمون أنه لا سبيل إلى تطور العلوم الأساسية والطبيعية منها الطب إلا بتطبيق منهج علمي سليم قال الله تعالى (لكل جعلنا شرعه ومنهاجا) المائدة وكان كل ذلك من أجل زيادة المعارف الإنسانية في مجالات العلوم الطبيعية والأساسية والتأكد من صحة هذه المعارف وتجديدها وتطويرها وكشف حقائق جديدة.
كان تعليم الطب في الدولة الإسلامية في القرن الأول الهجري في المدارس الطبية القديمة كإنطاكية الرها ونصبين في الشام وجند يسابور في الفرس، التي اسند إدارتها المسلمون بعد السيطرة عليها إلى الأعاجم فمدرسة جيديسابور أسندت إداراتها إلى الطبيب " فرات بن شحتانا "(1) وكان تلميذ " تياذوق ".، الذي كان طبيبا خاصا " للحجاج بن يوسف الثقفي " حينما كان واليا على العراق. وفي هذه المدرسة تخرج مجموعة من الأطباء النصارى ... ونلاحظ في هذه الفترة أن المسلمين لم يقبلوا على تعليم الطب بشكل يذكر، نستطيع أن نقول أنهم أعرضوا عنه، ولعل هذا يرجع إلى اعتقاداَ منهم بكفاية ما عندهم من خبرات طبية ومعلومات طبية ورثوها عن مشايخهم، أو لأنهم في غير حاجة إلى كسب الرزق بهذه الصناعة ترفعا وأنفة ، أو لأنهم أقبلوا على العلوم الدينية بقوة وتنافسوا فيها .. وهذا ربما هو السبب إذ أن أغلب الأطباء المسلمين الذين أتوا بعد القرن الثاني كانوا ملمين بأكثر من علم ،و ربما كانوا يجمعون مع علم الطب علم الفلسفة والمنطق والحديث والفقه والحكمة، ولا ريب أنهم كانوا على خطأ في تقديرهم في انصرافهم عن علم الطب ردحا من الزمن، مما حرمهم من كثير من المزايا التي تمتع بها الأطباء النصارى كتقلد المناصب الكبيرة في دواوين الخلفاء ،فالمنصور استخدم طبيبا نسطوريا من جيديسابور وجعله طبيبا ملكا لدار الحلافة ، وهذا الطبيب هو " جورجيس بن جبرائيل "(2).
أول مدرسة طبية عربية إسلامية تلك الدار التي أنشأها الخليفة المنصور(3) (136هـ / 754م )، التي أخذت في النمو والتطور حتى صارت بما يعرف بمدرسة بغداد الطبية، وكان يشرف على إدارتها الأطباء النسطوريون، وكان جورجيس يمارس فيها إلى جانب مهنة التطبيب والتدريس ،وظل فيها حتى رجع إلى جنديسابور وحل محله الطبيب عيسى بن شهلا أحد تلاميذه(4)، وممن تولى رياستها فترة من الزمن بختيشوع في زمن هارون الرشيد (171 هـ) وأبنه جبرائيل الذي جعله هارون بعد اختباره رئيس الأطباء في بغداد.
ومما يذكر أن الأطباء كانوا يجتمعون في دار عيسى بن على لدراسة الحالات التي تعرض عليهم في الدار حتى يصلوا إلى العلة والعلاج ، كما كانت الدار تضم عدداً من التلاميذ الذين يرغبون في دراسة الطب من بينهم ابن " لداؤاد بن سرابيون " الذي كان لم يتجاوز العشرين من عمره (5). وكذلك مما تولى رياسة مدرسة بغداد الطبية " يوحنا بن ماسوية "، يذكر أنه كان يعقد بداره مجلسا طبيا تجمع فيه عدد كبير من الأطباء لمناقشة الموضوعات الطبية، في هذا يقول يوسف إبراهيم: " كان مجلس يوحنا بن ماسوية أعمر مجلس كنت آراءه بمدينة السلام لمتطبب "(6) وكان هذه المناقشات والمشاورات آثر كبير في النهوض بصناعة الطب. وكان هذا المجلس يحضر إليه العديد من الطلبة من يرغبون في مهنة صناعة الطب.- لعل هذا النوع من المجالس بداية المداس الطبية الخاصة.
ومن الأطباء النصارى "حنين بن إسحاق " وهو أحد تلاميذ يوحنا بن ماسوية، هو طبيب ومترجم ذاع صيته بين معاصريه من الأطباء، ترجم العديد من الكتب الطبية من اللغة اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية توفي سنة (194هـ) ومن تلاميذ عيسى بن على تولى رياسة البيمارستان في بغداد (7).
ويلاحظ أن أكثر الأطباء في تلك الفترة ( القرن 1-2 هـ ) كانوا من النصارى والمسيحيين النسطوريين، السبب في ذلك كما أشرنا من قبل يرجع إلى عدم اهتمام المسلمين أول الأمر بصناعة الطب، غير أنهم لم يلبثوا على ذلك إلا قليلا من الوقت ثم أخذوا يشتغلون بالطب ودراسة كتبه فنبغ منهم من فاق جميع أطباء النساطرة، وكان الخليفة المعتصم يشجع الأطباء بما يحتاجون إليه لتطوير علومهم فيذكر أنه كان يستجلب القردة من النوبة (8)ويقدمها إلى يوحنا ين ماسوية وغيره التشريحها لمعرفة الأعضاء الداخلية جيدا مما ساعدهم على فهم وإدراك الكثير من الحقائق التي قد تؤدي إلى تشخيص سليم لكثير من الحالات المرضية لوصف العلاج المناسب لها.
وفي عصر الخليفة المتوكل ( 232هـ/ 847 م ) برز طبيب عربي من المسلمين هو " على بن ربن الطبري) كان يهوديا ثم أسلم، وقد ذاع صيته ومن أشهر مؤلفاته " فردوس الحكمة " وهو أستاذ " الرازي ". في هذه الفترة ( القرن الثالث الهجري) أصبح الطب العربي الإسلامي ذا شخصية متميزة، ولعله يعود إلى تقدم العقلية العربية واتساع مجال الفكر بدأت مرحلة الاختراع والابتكار، بعد أن قطعوا شوطا كبيرا في حركة الترجمة بالإطلاع على علوم الأمم الأخرى والتي بدأت باستحياء في عهد والى مصر خالد بن الوليد ، وتقدمت قليلا في أول قيام الدولة العباسية ثم نشطت وازدهرت في عهد الخليفة هارون الرشيد وأبنائه الأمين والمأمون والمعتصم.
وكان من مظاهر تقدم الطب بروز أطباء عرب مسلمين في فترة الدولة العباسية وظهور العديد من البيمارستانات التي كانت تضم قسما لتدريس الطب (ما يسمى اليوم بالكلية الطبية) كان طالب الطب يتلقى فيها علوم الطب نظريا وعمليا. يتعلمون ما قاله أبقراط وجالينوس وما جاء به أساتذتهم العرب أنفسهم، وكانت التجربة العملية تسير جنبا إلى جنب مع العلم، وكانت النظريات الطبية تطبق على المرضى، أما الحالات المستعصية فتحال إلى لأطباء الكبار فقامت حلقة دراسية حولها لطلبة الطب، والأطباء الصغار. ثم يوصف العلاج بعد ذلك للمريض وهذه الطريقة هي ذاتها المتبعة حتى الآن في تدريس الطب بالجامعات . (9) وهذه المدارس تابعه إلى البيمارستانات الكبيرة العامة منها فقط.حيث كان لكل مدنية كبيرة في الدولة الإسلامية بيمارستان عام واحد، ينقسم إلى قسمين، قسم خاص بالرجال وآخر بالنساء، وكل قسم مجهز بما يحتاج إليه من آلات ومعدات وخدم وفراشين من الرجال ونساء، وفي كل قسم قاعات لمختلف الأمراض وكما يضم صيدلية، وله رئيس يسمى ساعور البيمارستان ولكل قسم من أقسامه رئيس ،فكان فيه رئيس للأمراض الباطنة ورئيس للجراحة ورئيس للكحالين، وجهز كل بمارستان بمكتبة تحتوي عددا من المخطوطات المفيدة وقاعة كبيرة مفروسة لتدريس (10).
ومن هذه المدارس الطبية العامة التابعة للبيمارستان العضدي في بغداد الذي حوى في بدء عهده ما يقرب من أربعة وعشرين طبيبا وكان من جملتهم أبو الحسن بن على بن إبراهيم الذي كان ماهرا في علم الطب والترجمة نقل كتبا كثيرة على العربية وكان يدرس في البيمارستان العضدي (11) وأبو ح الفرج عبد لله بن الطيب الذي اعتنى بشرح جالينوس في الطب في البيمارستان العضدي وعالج المرضى فيه وأمين الدولة بن التلميذ الذي كان سأعور البيمارستان إلى حين وفاته وغيرهم كثير(12)
والبيمارستان الكبير النورى الذي بناه نور الدين محمود بن زنكي بدمشق سنة( 549هـ / 1154م ) وأوكلت رئاستة إلى أبى المجد بن أبي الحكم بن عبيد الله بن المظفر بن عبد لله الباهلي، يقول أبن أبي أصيبعة :" كان يتردد إليه ويعالج المرضى فيه وكان أبو المجد بن أبي الحكم يدور عليهم أحوالهم ويعتب أمورهم ،وبين يديه المشارفون والقوّام لخدمة المرضى ، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك ... ثم قال : وبعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الإيوان الكبير الذي بالبيمارستان وجميعه مفروش ويحضر كتب الاشتغال وكان نور الدين رحمه الله قد وقف على هذا البيمارستان جملة كتب من الكتب الطبية وكان في الخرستانين اللتين في صدر الإيوان فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ثم تجرى مباحث طبية ويقرى التلاميذ ولا يزال معهم في دراسة ومباحثه ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات (13).
والبيمارستان المنصوري في القاهرة الذي بناه السلطان قلاوون ( 683هـ / 1284م) من الأطباء الذين عملوا به أحمد بن يوسف بن هلال بن أبي بركات ،وشهاب الدين الصفدي الذي توفي سنة( 727هـ ) وركن الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن الجليل الجعفري التونسي الذي توفي سنة ( 738هـ ) وكان يدرس الطب به، وعمر بن منصور بن عبد الله سراج الدين البهادري، كان يدرس الطب بالبيمارستان وبجامع ابن طالون توفي سنة ( 824 هـ ) وغيرهم كثير.(14) والبيمارستان النورى أو العتيق بحلب وممن عرف من الأطباء الذين خدموا بالبيمارستان النوري بحلب عدا ابن بطلان هاشم بن محمود بن السيد ناصر الدين السوجي الحسيني رئيس الأطباء به ،توفي سنة( 964هـ ) (15) . أما في المغرب فقد كان في الأندلس على سبيل المثال كان في الأندلس أربع مداس للطب إحداها في قرطبة والثانية في اشبيلة والثالثة في طليطلة والرابعة في مرسية (16) . لقد تعدد البيمارستانات التعليمية في الدولة الإسلامية مما جعل ماس ما يرهوف يقول " ولدينا معلومات وثيقة لأربعة وثلاثين معهدا من المعاهد على الأقل كانت منتشرة في إنحاء العالم الإسلامي من بلاد فارس هي مراكش ومن شمال سوريا حتى مصر"(17).
وهذا يوضح لنا ما وصل إليه مستوى الطبي في الدولة الإسلامية فكان بحق عصرها الذهبي ، حيث نشأت فيه معاهد تدريس الطب بأساليب جديدة و مارسوه بروح إنسانية عالية، وتنظيم منقطع النظير ابتكروا فية الكثير. ففتحوا المجال فيه كافة أبناء الشعب من الذين يجدون في أنفسهم الرغبة المؤهلات الكافية. وقد أحرز ممارسوه في شتى التخصصات مع تطورها مراكز مرموقة وكرامة وغنى بين الخاصة والعامة آنذاك . ولعل مما يدل على أن صناعة الطب عند المسلمين في العصر العباسي قد وصلت إلى درجة من القوة والازدهار أنه في عهد الخليفة المقتدر تقدم للامتحان لنيل إجازة الطب تسعمائة طبيب .. وقد امتحان هذا العدد الكبير عددا م أساتذة الطب الذين اجتازوا من قبل ومنحوا الشهادة التي تخول لهم ممارسة مهنة الطب وكان رئيس هذه اللجنة الطبيب سنان بن ثابث(18) أن هذا العدد الكبير عددُ من الأطباء دليل واضح على تقدم الحياة الاجتماعية وأنها قد وصلت إلى درجة عالية. وأن الطب كان يمارس باعتباره حاجة من حاجات تلك الحياة الراقية.
والنوع الثاني الذي كان يمارس فيه تدريس الطب في الدولة الإسلامية المدارس الخاصة . لعل أول من مارس هذا النوع هو يوحنا بن ماسوية في بغداد زمن خلافة أولاد الرشيد (170هـ/786م ) الذي سبق الإشارة إليه في بداية حديثا ، ثم اشتهرت مدرسة الرازى وسنان بن ثابت بن قرة وابنه أبى الأشعث ، وصارت هذه المدارس الطبية الخاصة نموذجا لغيرها مما أسسه من تبعهم من مشهوري الحكماء كابن التلميذ ببغداد وأبن العين زربي القاهرة الدخوار وابن أبى أصيبعه وابن القف في بلاد الشام (19). واجتذبت شهرتهم التلاميذ من بعيد وقريب حتى نقرأ عن أفاضل من بلاد الأندلس والمغرب قطعوا المسافات الشاسعة عبر شمال أفريقيا إلى بغداد والقاهرة والشام رغبة في زيادة خبرتهم في مزاولة الصناعة هذه أو لينضموا إلى مجلس هؤلاء المعلمين الأفذاذ ولستفدوا من خبراتهم ومعرفة إضافاتهم وتعليقاتهم وشروحهم التراث الطبي اليوناني والسرياني.
لتوضح طريقة التدريس التي كانت في هذه المدارس الخاصة نذكر مثالا مدرسة الدخوارية كما يصفها لنا ابن أبي أصيبعه في قوله : " وكان الشيخ المهذب اليد رحمه الله إذا يفرغ من البيمارستان الكبير النورى ، يأتي إلى داره ثم يشرع في القراءة والدرس والمطالعة . فإذا فرغ منه آذن للجماعة فيدخلون إليه ويأتي قوم بعد قوم من الأطباء والمشتغلين ، وكان يقرأ كل واحد منهم درسه ويبحث معه فيه ويفهمه أياه بقدر طاقته ويبحث في ذلك مع المتميزين منهم أن كان الموضع يحتاج إلى فضل بحث وكان لا يقرى أحد إلا وبيده نسخة من ذلك الكتاب يقرأه ذلك التلميذ ، ينظر فيه ويقابل به فإن كان من نسخة الذي يقرأ غلط أمره بإصلاحه وكانت نسخ الشيخ مهذب الدين التي تقرأ عليه في غاية الصحة وكان أكثر بخطه " (20).
ولما كان في سنة (613هـ /1225م )وذلك قبل وفاة الشيخ المهذب المعروف بالدخوار وقف دارة بدمشق وجعلها مدرسة يدرس فيها من بعده صناعة الطب ووصى أن يكون المدرس فيها الحكيم شرف الدين على بن الرحبي لما تحقق من علمه و فهمه ، فتولى التدريس بها مدة (21) .
ويصف لنا الجور جاني حلقة ابن سينا في همدان في تدريس طلابه قائلا" كان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم ، وكنت أقرأ من كتاب الشفاء وكان يقرى غيرى من كتاب القانون " (22).
ومما ذكره ابن أبي أصيبعه في ترجمة لابن القف يوضح فيها طريقه في التدريس الطب يقول " كنت نتبين فيه النجابة من صغره حفظ الكتب الأولى المتداول حفظا كمسائل حنين في الطب للمتعلمين والفصول، وتقدمة المعرفة لابقراط وهده الكتب مع شرح جالينوس .وقرأ بعد ذلك في العلاج من كتب الرازى ما عرف به الأقسام الأسقام وجسيم العلل في الأجسام وتحقيق معالجة ومعاناة المداواة " (23) وعمل بالبيمارستانات تحقيق مما درس . والقمري كان يحرض على وجوب قراءة الكناشات الطبية النافعة واحترام الأفاضل من الحكماء معلمين ورواده فيقول : " وكانت همتي على خدمة من تمسك بالطب بأدنى علقه ، فضلا عن المتبحرين والمبرزين فيه حتى احظت بمكنون خزانته وأطلعت على أسراره و منانيه أدركت منه ما رجوت معه الكفاية وقدرت به بلوغ الكمال والغاية " (24).
أما الطريقة التي كان يدرس بها الأطباء في المدارس التعليمية بالبيمارستانات نذكر بعض النصوص التراثية التي تكشف لنا كيفية التدريس من هذه النصوص يقول ابن العباس في مقدمة كتابه الكامل " .... ومما ينبغي لطالب هذه الصناعة أن يكون ملازما للبيمارستانات ومواضع المرضى كثير المداولة لأمورهم وأحوالهم مع الأساتذة من الحذاق من الأطباء كثير التفقد لأحوالهم والأعراض الظاهرة فيهم متذكرا لما كان قد قرأه من تلك الأحوال وما يدل عليه من الخير والشر ، فإنه أن فعل ذلك ، بلغ من هذه الصناعة مبلغا حسنا ولذلك ينبغي لمن أراد أن يكون طبيبا أن يلزم هذه الوصايا ويتخلق بما ذكرناه من الأخلاق ولا يتهاون بها ،فإنه أن فعل ذلك كانت مداواته للمرضى مداواة صواب ووثق به الناس ومالوا إليه ونال المحبة والكرامة منهم والذكر الجميل . ولم يعدم مع ذلك المنفعة والفائدة من قبلهم والله تعالى أعلم "25) ومن صور التعليم في المدارس العامة ما كان يقوم به أبو المجد بن أبى الحكم في البيمارستان النورى الكبير الذي سبق الإشارة إليه في قول ابن أبى أصيبعه عن نفسه : " كنت بعد ما يفرغ الحكيم مهذب الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان النورى وأنا معهم أجلس مع الشيخ رضى الدين الرحبي فأعاين كيفية استلاله على الأمراض وجملة ما يصفه للمرضى ما يكتب لهم وأبحث معه في كثير من الأمراض ومداواتها . ثم قال وكان معه ( أي مهذب الدين ) في البيمارستان لمعالجة المرضى الحكيم عمران وهو من أعيان الأطباء وأكابرهم في المداواة والتصرف في أنواع العلاج فتتضاعف الفوائد المقتبسة من اجتماعهما ومما كان يجرى بينهما من الكلام في الأمراض ومداواتها وما كان يصفان للمرضى "(26).
وفي كتاب المقالات الرابع النظامي عروض يرجع تاريخ تأليفه إلى القرن الخامس الهجري يقول: " ينبغي الأطباء أن يكونوا ذوى مزاج رقيق وطباع سلسلة وأحلام راجحة وأن يكونوا بصفة خاصة رقيقي الملاحظة قادرين على أن يفيدوا كل إنسان بالتشخيص المضبوط ، أعني بسرعة الاستنباط للمجهول من المعلوم ولن يستطيع طبيب أن يكون ذا طبيعة فلسفية راجح الحلم إلا إذا كان على علم بالمنطق، أو أن يكون دقيق الملاحظة إلا إذ استمد القوة من هدى الله أما من يكون غير صادق الملاحظة فلن يستطيع الوصول إلى فهم أسباب أي عله فهما صحيحا "(27).
من هذا نتبين أن التدريس كان في الدول الإسلامية كان يقوم على طريقة عملية تقضى احتكاك مثمراُ دائما بين طلابه ومرضاهم فيقابلوا ما قد تلقنوه نظريا بما يشاهدونه بأم أعينهم، وهكذا تخرجت طبقة من الأطباء الذين لم يشهد العالم آنذاك مثيلا لهم إلا في العصر الحديث . فلقد كانت التجربة العملية في العالم الإسلامي تسير مع العلم جنبنا إلى جنب وتجابه النظريات على أسّرة المرضى ، حقائق المعاينة والكشف وحقائق التجارب فتفنّد الظواهر تفنيدا علميا وتشبع الحالات المستعصية بحثا ونقاشا وعلاجا تفصيلا وشرحا بعكس ما كان يجرى في بلاد الغرب حيث كانت النظريات الجافة تملأ عقول رجال الكنيسة وتحول دونهم و ودون البحث والتجربة(28).
ويعد الرازى ( 251-313هـ/865-925م) أهم من وضع الأسس الراسخة والقواعد الثابته لتعليم الطب وممارسته ليس في العالم الإسلامي فحسب بل وفي أوروبا في القرون الوسطى حتى عصر النهضة . ويعتبر الرازى أول من أظهر أهمية الطب السريري والنفساني وكتب عنهما باستفاضة لما لهما من أثر في العلاج ، وهو من وضع أصول فلسفة النظريات الطبية في هذه الحقبة وساعد على تطور أدب الطبيب من وأهمية العمل في البيمارستانات والتجربة الطبية وكتابات أخرى فقد منها الكثير مع الأسف منذ عصره حارب الشعوذة في صناعة الطب. رفع من مستوى التعليم الطبي برفع مستوى مزاول المهنة علميا وأخلاقيا ففي كتابه المرشد شرحا ومتقدا فصول أبقراط مبديا أراء أصيلة في تجارب الطبيب وأهمية علاقته مع مرضاه ن وتقدمة المعرفة واعتبار كل مريض فرداُ مستقلاُ عن سواه له شخصيتة وتدبيره الخاص الذي ينفرد به بالنسبة لتاريخه وعاداته وبيئته، تلك الأمور التي طالما يغفلها ممارسو المهنة في عصرنا الحاضر. (29)
ونستطيع أن نستشف الكثير من أسلوبه في تعليم الطب وممارسته من موسوعته المسماة " الحاوي في الطب " والتي قضى ردحا طويلا من الزمن في أعدادها و جمعها حتى حيث تكشف لنا عن الصورة الحية لطريقة تدريسه هذه الصناعة ضمنها آراء من سبقوه وتوصياتهم منقذا أو مؤيدا مع التزامه بالتعبير عن مشاهداته وتجاربه الخاصة الأمر الذي أصبح علامة مميزة في طريقة وأسلوب التعليم في الطب الإسلامي.
وهنا نحاول أن نلخص آراء الأطباء المسلمين المنهجية في طريقة تعليمهم للطب في النقاط منها الآتية :
1. يقول الرازي إن قليل المشاهدة المطلع على الكتب ، خير ممن لم يعرف الكتب ، على أن لا يكون عديم المشاهدة (30). وهو يعنى بذلك أن التعليم النظري المدرس أساس لمزاولة المهنة . وهو يتقدم على التجربة . ويقول أيضا ً من قرأ كتب أبقراط ولم يخدم ، خير ممن خدم ولم يقرأ كتب أبقراط (31).فهو هنا ينفي الطب المبنى على التجربة الفردية دون فكرة أو قاعدة علمية . كما يؤكد على ضرورة التعلم عند كبار المعلمين والأساتذة.
والواقع أن التجربة الإنسانية الطويلة في حقل التعليم الطبي توصلت في النصف الثاني من القرن العشرين إلى هذا المفهوم ، وراحت تطبقه في أكبر كليات الطب العالمية ، فلم يعد الطالب يرتاد المشافي من السنة الأولى للدراسة ، بل بعد مضى ثلاث سنوات، أي بعد أن يكون قد تمرس في العلوم النظرية الأساسية . وتلك فكرة أنتبه إليها الرازي منذ قرون بعيدة (32).
2- أهم الأمور التي يجب أن يعر فها الطبيب نظريا ،حيث يقول الرازي أطلب من كل مرض هذه الرؤوس : أولا التعريف ، مثل أن تقول أن ذات الجنب هو اجتماع حمى حادة مع وخز في الأضلاع وضيق في النفس وصلابة في النبض وسعلة يابسة في أول الأمر . ثم اطلب العلة والسبب ، مثل أن تعلم أن سبب ذات الجنب ورم حاد في ناحية الغشاء المستبطن للأضلاع . ثم اطلب هل ينقسم إلى سببه أو نوعه أم لا ، مثل أن تقسم ذات الجنب إلى الخالصة وغير الخالصة ثم اطلب تفصيل كل قسم من الآخر ، ثم العلاج ، ثم الاستعداد .. الخ.(33) وواضح من هذا التقسيم أنه لا يفترق عما تفعله الجامعات الطبية حاليا ً أثناء الدراسة النظرية إلا قليلا ً، فالتعريف في البداية ، ثم الأسباب ، ثم التشريح المرضى، ثم الأشكال السريرية، ثم التشخيص التفريقي ، ثم المعالجة ، ثم الإنذار .
ولم يكن الاهتمام بالطب النظري يعنى عدم الاهتمام بالطب العملي أو التقليل من أهمية التجربة ، بل على العكس فأن كثيرا من الأطباء يرى أن التجربة هي أساس من أسس تعلم الطب ، وهذا يتضح من خلال سؤال الخليفة الواثق لطائفة من الأطباء : كيف يتم إدراك علم الطب، فقال قائل منهم : إن الطريق الذي يدرك به الطب هو التجربة . وإن التجربة ترجع إلى مبادئ أربعة، هن له أوائل ومقدمات ، وبها علمت وصحت ، وإليها تنقسم التجربة . قسم من تلك الأقسام طبيعي ، وهو ما تفعله الطبيعة في الصحيح والمريض ، من الرعاف والعرق والإسهال والقئ التي تعقب في المشاهدة منفعة أو ضررا ً. وقسم عرضي ، وهو ما يعرض للحيوان من الحوادث والنوازل ، وذلك كما يعرض للإنسان أن يخرج أو يسقط ، فيخرج منه دم قليل أو كثير ، أو يشرب في مرضه أو صحته ماء باردا أو شرابا ، فيعقب في المشاهدة منفعة أو ضررا ً. وقسم إرادي ، وهو ما يقع من قبل النفس الناطقة ، وذلك كمثل منام يراه الإنسان ، وهو أن يرى كأنه عالج مريضا ً به علة مشاهدة معقولة بشيء، أو يخطر مثل ذلك بباله في حال فكره ، فيتردد ويعطب ظنه بعطبه فيجربه ، بأن يفعله كما يرى في منامه فيجده كما يرى أو يخالف ذلك ، ويفعله مرارا ، فيجده كذلك . وقسم هو نقل ، وهو على ثلاث أقسام : إما أن ينقل الدواء الواحد من مرض إلى مرض يشبهه ، كالنقلة من ورم الحمرة إلى الورم المعروف بالنملة ، وإما من عضو إلى عضو يشبهه ، وذلك كالنقلة من العضد إلى الفخذ ، وإما من دواء إلى دواء يشبهه كالنقلة من السفرجل إلى الزعرور في علاج الانطلاق البطني. وكل ذلك لا يعمل به عندهم إلا بالتجربة، فيذهبون في ذلك إلى القياس والاستدراك (34).
من الجوانب الأخرى التي يجب أن يعرفها الطبيب ويدركها مراعاة الحالة الصحية للمريض ، إذ على الطبيب أن يدرك الأمراض النفسية وعلاقتها بالعلاج الجسماني، ومدى أثر ذلك في العلاج . في هذا الصدد يقول الرازي : ينبغي للطبيب أن يوهم المريض بأنه على صحة جيدة، وإن كان غير واثق من ذلك ، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس (35).
ومن مراحل تعليم الطب ما يعرف بمرحلة " الامتحانات " الحسية حيث لا يسمح بمزاولة مهنة التطبيب إلا بعد أن يجتاز الطالب امتحانا رسميا . يقول الرازي في هذا المقام : " فأول ما تسأله عنه التشريح ومنافع الأعضاء ، وهل عنده علم بالقياس وحسن فهم ودراية في معرفة كتب القدماء ؟ فإن لم يكن عنده ذلك ، فليس بك حاجة إلى امتحانه " (36).
وكان الأطباء المسلمون يمتحنون المتقدمين إلى الجراحة في مادتي التشريح وعلم الجراحة (37) .إضافة إلى أنهم كانوا يشترطون على من يمارس مهنة الطب أن يكون ذا صفات أخلاقية وروحية ، وأن يتحلى بخصال منها أن يكون كتوما لأسرار المرضى، لا يبوح بشيء من أمورهم ، وأن تكون رغبته في إبراء المريض أكثر من رغبته فيما يلتمسه من أجر، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء، إلى جانب ما يجب أن يتحلى به من ذكاء وفطنة وشدة ملاحظة تساعده على الفهم الجيد لما يعرض عليه من معلومات وحالات(38).
هذه بعض النقاط التي كانت تتبع لدراسة علم الطب عند الأطباء المسلمين ، ومنها يتضح مدى دقة المنهج العلمي المتبع لديهم، والذي كان له دور كبير في تطوير علم الطب وفروعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوانسي ، أبو الفتوح : أعلام الطب ، الدار القومية ( القاهرة ، 1959 م) ص 32.
(2) ابن أبي أطيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء، دار الثقافة ( بيروت ،1987م) 1/ 38
(3) التوانسي: المرجع نفسه ، ص40 .
(4) ابن أبي أصيبعه : المصدر نفسه ، 1/ 40.
(5) نفس المصدر .1/54
(6) المصدر نفسه 1/ 124.
(7) المصدر نفسه . 1/ 156.
(8) المصدر نفسه .1/ 128
(9) حمارنة ، سامي : عبقرية الحضارة العربية ، ترجمة عبد الكريم محفوظ ،دار الجماهيرية ( بنغازي 1990م) ص255
(10) عيسى بك ، أحمد : تاريخ البيمارستانات ، دار الرائد ( بيروت ، ط(2) 1981م) ص 20-30؟
(11) ابن أبي أصبع : المصدر السابق ، 1/ 329.
(12) عيسى بك : المرجع نفسه ، ص 193-197.
(14) المرجع نفسه ، ص 209-210
(15)المرجع نفسه ، ص 159- 166
(16) محمد ، محمود الحاج قاسم : الموجز لما أضافة العرب في الطب ، مطبعة الإرشاد ( بغداد ، 1974م) ص 123
(17) المرجع نفسه ، ص 125. انظر إلى تراث الإسلام ماكس مايرهوف ترجمة جرحيس فتح الله ، ص481.
(18) ابن أبي أصبيعه : المصدر نفسه ، 1/ 244.
(19) حمارنة ، خلف : الصناعة الطبية في العصر العباسي الذهبي ، مجلة عالم الفكر ، المجلد (10) العد (2) ( الكويت، 1979م) ص 223.
(20 ) ابن أبي أصبيعه : المصدر نفسه ، 2/ 377.
(21) ابن أبي أصيبعه : عيون الأنباء ، 2/ 398.
(22) المصدر نفسه ، 2/ 301).
(23) المصدر نفسه 2/ 321
(24) حمارنة : الصناعة الطبية ، ص 320
(25) براوان ، ادوارد : الطب العربي ،ترجمة أحمد شوقي حسن : ومؤسة سجل العرب ( القاهرة ، 1966) ص75.
(26) ابن أبى أصيبعة : المصدر نفسه ، 2/ 395ز
(27) براون : الطب العربي ، ص103.
(28) هونكة ، زيغريد : شمس العرب تسطع على الغرب ، دار الجماهيرية ، 19991م) ص 234.
(29) حمارنة : الصناعة الطبية ، ص303.
(30 ) الرازي ، أبو بكر محمد زكريا : كتاب المرشد أو الفصول ، تقديم وتحقيق البير زكي اسكند ( القاهرة ، 1963م) ص118.
(131) المصدر نفسه ، ص120
(32) صفو، عبد المنعم : تعليم الطب عند العرب ، أبحاث الندوة العلمية للجمعية السورية لتاريخ العلوم ،دار الجامعة (حلب ،1980م) ص 279.
(33) ) المرجع نفسه ، ص280.
(34) المسعدوي : مروج الذهب 3/ 490
(35) صفوة : المرجع نفسه ، ص 279.
(36) الرازي : المرشد ، 120
(37) هونكة ، زيغفريد :شمس العرب تسطع على الغرب ص206.
(38) قظاية ، سليمان : الطبيب العربي على بن رضوان ، المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ( تونس 1984) ص 60.
مقالة علمية خاصة بموقع ليبيا اليوم نُشرت بتاريخ الخميس 30 مارس 2006
